حبيب الله الهاشمي الخوئي
310
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وكان العبد معه مستقيم الأحوال على سواء الصّراط طلبه لنفسه ولمحبّيه . قال الشّارح : واعلم أنّ الأحاديث مختلفة ففي بعضها طلب الغنى واليسار وفي بعضها طلب الكفاف ، وفي بعضها طلب الفقر ، وفي بعضها الاستعاذة من الفقر ، ووجه الجمع بينها أن يقال : المراد بطلب الغنى طلب الكفاف لأنّ الكفاف هو المطلوب عند أهل العصمة ، وليس المراد به ما هو المتعارف عن أبناء الدّنيا من جمع المال واذخاره والاتّساع به فوق الحاجة ، فانّ ذلك مناف لما هو المعهود من حالهم من طلاق الدّنيا والزّهد فيها وقد قال أمير المؤمنين عليه السّلام : علَّل النّفس بالكفاف وإلَّا طلبت منك فوق ما يكفيها ما لما قد مضى ولا للَّذى لم يأت من لذّة لمستحلَّيها إنّما أنت طول مدّة ما عمرت كالسّاعة التي أنت فيها ورواه في البحار من كتاب مطالب السؤول لمحمّد بن طلحة ، وقال أيضا من نظمه عليه السّلام دليلك أنّ الفقر خير من الغنى وأنّ قليل المال خير من المثرى لقاؤك مخلوقا عصى اللَّه بالغنى ولم تر مخلوقا عصى اللَّه بالفقر وهذا هو الذي أراد النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بقوله : نعم المال الصّالح للعبد الصّالح والمراد بطلب الفقر طلب قدر الحاجة والكفاف لأنّ الكفاف فقر عند أهل الدنيا وإن كان يسارا عندهم عليهم السّلام والمراد بالاستعاذة من الفقر الاستعاذة ممّا دون الكفاف وهو الفقر عندهم عليهم السّلام وأقوى أفراده عند أهل الدّنيا هذا . وقال المحدّث العلَّامة المجلسىّ قدّس سرّه : سؤال الفقر لم يرو في الأدعيّة بل ورد في أكثرها الاستعاذة من الفقر الذي يشقى به وعن الغنى الذي يسير سببا لطغيانه انتهى . وكيف كان فقد ظهر بذلك كلَّه أنّ غرضه عليه السّلام بالسؤال صون جاهه وعزّه باليسار لاستلزام الغنى احترام صاحبه عند عامّة النّاس كاستلزام الفقر لمهانة المبتلى به عندهم .